الاثنين، 16 أغسطس، 2010

عن الموت قبل العيد

يعشق ابي الحجر ايما عشق ويعرف انواعه بحكم مهنته في مجال النحت والموازييك وكانت مهنته تتطلب منه ان يعمل في المقابر التي تعرفت عليها في سن مبكرة بحكم من مات وبحكم عمل ابي ومنه عرفت انه كما في الحياة مقامات فان للموت مقامات فاذا حضرت الى هناك عرفت الفقير من الغني من شكل القبر او الضريح . ماذا يفعل الغني او الثري لحبيب افتقده في العائلة غير ان يبالغ في تضخيم قبره حيث المسكن الاخير. كان اول شئ اتعرف عليه من معالم بغداد هي المقابر وفي سن مبكرة من الطفولة فان المقابر لاتثير فيك اي اسئلة عن الموت بل انك تروح تتطلع في اشكالها الهندسية ونوع الحجر المستخدم وقبل كل ذلك اسم المتوفي المحفور على قطعة من المرمر او الحجر حسب بذخ اهل المتوفي وكانت بعض القبور تحيط بها شبابيك من قضبان الحديد بما يشبه القفص. ولعل افضل الاوقات هي اوقات الراحة في ساعة الظهيرة حيث تاول الغذاء من مطعم شعبي حيث يمكنك ان تراقب الناس وتتمعن فيهم وتنصت الى احاديثهم وتمسح بعيونك جدران المطعم وماعلق عليه من صور لجميلات او فنانات مشهورات او ايات قرانية في بعض الاحيان. والحاضر الاكيد في هذه المطاعم دائما هو الرائحة الطيبة الممزوجة بعرق الناس ورائحة المياة الاسنة والنفايات المنتشرة في كل مكان وروح البساطة والتقشف والاهمال اللذي يغلف المكان.
لم يكن ابي يدعوني لمرافققته في مشاوير العمل في مدينة النجف ولكني زرت هذه المقبرة بسبب زيارة الاربعين لمن توفي من العاائلة حيث يمكنني الذهاب بعد ان تخف حدة وطأة الموت واستطيع ان ازعم باني قد بلغت سبعة وعشرين عاما ولم احضر مجلس عزاء واحد ولم اكن اعرف حتى تلك السن ماهي طقوس العزاء. توفي ثلاث اشخاص ممن بيت جيراننا وكان سرادق العزاء على بضعة متر واحد ولم احضر وكان من الغريب ان احضر اول مجلس عزاء على روح الشهيد خليل الوزير مهندس الانتفاضة الفلسطينية حيث اقام بعض الطلبة الفلسطينيين مجلس عزاء عند استشهاده في اواخر الثمانينات. ولازلت اذكر كيف ان صديقي الفلسطيني جمعة اتي لي بالفنجان الثالث من القهوة المرة لي فصرخت فيه لك عمي خلاص مابدي بعد فاعترض قائلا اي ليش متهز الفنجان!
في وادي النجف الكبير وانت تشق طريقك في تضاريس عجيبة غريبة ينتقل بك الزمان والمكان الى جو خاص تخيم عليه رائحة الموت وتفقد فيه بوصلتك وتوازنك وقد ابتعدت يوما بضع امتار عن عائلتي التي غرفت في النحيب فلم اعرف كيف اجد لهم طريقا غير استعمال حاسة السمع فقد غرق النظر في تشويش وفوضى عارمة وهو شعور يمكن ان تحس به في صمت الغابات الكثيفة.