الاثنين، 26 يوليو، 2010

الاستاذ حسن

لم يكن هناك طالب واحد في المدرسة لم يكن يحبه الا الادارة وعلى رأسها المدير ولاسباب غير معروفة في البداية! كان الاستاذ حسنا معلمنا في العربية وفي مادة الرسم وقد استطاع ان يجذب كل اهتمامنا بهاتين المادتين فكان درسه احلى من الفرصة نفسها! ذات مرة اصبح مدرسا للانجليزية فبدأ ولعنا بهذه المادة المملة والمثيرة للغثيان يتحول الى اهتمام ومتعة كان الاستاذ حسن رساما بارعا وخطاطا وقد حول مادة الرسم الى مايشبه ورشة عمل ونقاش وتبادل افكار! وكان يأخذ طبشورا ويرينا كيف ترسم الحروف وماهو الفرق بين الخطوط العربية وماهي اسماء الخطوط وكان ذلك في السنة الثالث ابتدائي! وربما كانت هذه واحدة من الصدف الجميلة ان يكون الخط العربي حاضرا بقوة في المدرسة وفي البيت ففي البيت كان يوصف كل اشقائي بالخطاطين فاخي الكبير كان لايكتب قصيدته الشعرية او النثرية الا وهو يخطها بتمعن في حين كان اخي الاوسط قد احترف الخط واختص بالافتات وهي مهنة تحتاج لممارسة كبيرة اما الاصغر منه فقد احترف البوستر السياسي وكان واحد من اشقائي غير مهتما على الاطلاق بالخط في تلك الفترة فكان يوصم بالعار في جبين العائلة! والغريب انه بعد ذلك بسنوات طويلة بدأ يهتم بالخط بشكل ملفت! طبعا كل هؤلاء الخطاطين خرجوا من عباءة الخطاط الاكبر وهو ابي ! وكان ابي يملك موهبة فريدة في نوعها وربما تكون اصعب من الخط نفسه وهي قراءة القرآن المخطوط على اضرحة وقبور الائمة المعصومين! ففي حين كانت الناس منشغلة بتقبيل شباك الضريح كان يقف ويقرأ لي الايات القرانية التي تزخرف الضريح ولم يكن وحدي الذي يتعجب من وهبته تلك بل ان حتى خدمة الضريح كانوا ينصتون باهتمام وهم يمصمصون بشفاههم! واستطيع ان ازعم بان السبب الرئيسي الذي كان يقود ابي الى اضرحة الائمة هو فني بحت! كان ذلك هو جو البيت وفي المدرسة كان الاستاذ حسن في الاوقات التي لايريد ان يتحدث فيها في الخط كان يحدثنا عن عالم عجيب غريب لا بهو بقارة اطلانطس المختفية او الغارقة بل عن عالم عادل مكان ما دولة ما على هذه الارض والحقيقة هي ان ذهني في ذلك الوقت كان يتصور بانها ليست موجودة على الارض وانما على كوكب اخر! كان الاستاذ حسن يدعم حديثه بالرسم على السبورة فحين يقول مزرعة يرسم مزرعة وبعض الحيوانات وحقل وبعض الناس! في تلك المرحلة المبكرة من الطفولة لم اكن اعرف ان الاستاذ حسن كان اشتراكيا وهو يحدثنا عن امتيازات الفلاحين الذين يصبحون ملاكا شرعيين لمزراعهم التي يدفعون ثمنها بالتقسيط المريح بل ول اكن اعرف على وجه التحديد انه كان شيوعيا وهو يحدثنا عن جريدة طريق الشعب وكيف انها تباع اكثر من جريدة الثورة بل انه كان يقول ان الفائض من الجريدة لايباع للمطاعم ! عشر سنوات واكثر حتى فهمت سبب عداء الادارة للاستاذ حسن! عبود موسى كان واحدا من الطلبة الموهبيين في الرسم والخط ,, حين اصبحت في المتوسطة التقيت به عدة مرات وقد اخبرني وهو جذل بانه قد نشرت صورته في بطاقة التعريف في جريدة الشعب وطلب مني ان افعل الشئ نفسه! ولكني لم افعل رغم اني لم اقدر خطورة هذا الامر! ولكن عبود الرسام الغارق في حب موهبته اعتقل لاسباب سياسية ولم اقف على اسباب اعتقاله ولامصيره! ولكنه كان بلاشك ضحية افكار الاستاذ حسن التي اسرتنا والتي لم اتعرف على حقيقتها الا وانا اعيش ثماني سنوات عجاف في دولة مجاورة لذلك الكوكب المجهول الذي كان اسمه الاتحاد السوفيتي! عدنان ميرزا رفيق الرحلة او المقعد الدراسي كان يصر في ان اعلمه الخط وانا انصحه بان يكتب ويكتب ويجرب بلانهاية وبلاتوقف! وكان يسمع ولايقتنع! كان خطه ضعيفا, قبيحا وكنت اشك في مستقبل له مع الخط ولكن وبعد ثلاث عقود اخبرني اخي بان قد اصبح خطاطا ووان لديه محلا في شارع المتنبي !

هناك تعليقان (2):

البرجوازي العراقي يقول...

الحقيقة ان مقالك يشمل على تراجم مجموعة من الخطاطين شيء مثير بالنسبة لي لاني بدأت بهذا الشغف منذ مدة ليست بالبعيدة فقط قبل ثلاثة اشهر

الحقيقة ان قراءة الايات في الاضرحة هي ليست فقط شيء فني ولكن بسبب انها نوع من التحدي لانها على الاغلب مكتوبة بخط الثلث او الاجازة او التحقيق المهم هناك نوع من التداخل القوي بالحروف بينها.

اقصد ان الناس في بعض الاحيان تخلط بين الدين كمعنى او وجود وبين طريقة ممارسة الدين وهنا فك قراءة خط الثلث في الاضرحة كانت جزء من الدين اي ان الشخص كانما يتلذذ بتعذيب نفسه بالقراءة ولا تنسى انه يقرأ قرآن وذلك جزء من الدين.

المهم بصراحة ذلك افضل مليون مرة بالنسبة لي بدلا من اللطم لمواساة ارواح الائمة على اساس ان هذه المواساة تؤدي الى حسنات او افضل من الدرباشة حيث يتم تحدي قرط الزجاج ووضع قطع من الحديد في جسم الانسان على اساس انها تظهر شدة الايمان.

شكري لجهدك في كتابة الواقع وذكرياتك بصراحة

البرجوازي العراقي

غير معرف يقول...

عزيزي البرجوازي , انقطع اهتمامي بالخط العربي منذ ان اقمت في اوربا خصوصا مع عدم توافر اقلام خاصة بالخط العربي لان كل الاقلام الغربية تنتهي بنهاية مستوية في حين ان الخط العربي كان يتطلب نهاية مائلة بزاوية محددة كذلك فاني انشغلت باهتمامات اخرى سلبتني من هذه الهواية