الخميس، 14 يناير، 2010

غلطة كادت تشعل البيت نارا - السويد والحرية 3

الاخبار تنتشر انتشار الهشيم في النار خصوصا اذا كان هناك مالاتفعله! ذات يوم تواردت الاخبار عن قدوم شاب عراقي من البصرة وانه كان في حالة عصبية رديئة للغاية استدعت من المترجم ان يذهب به الى طبيب وان يتناول اقراص مهدئة للاعصاب. زاره بعض العراقيين وقالوا انه كان يتكلم بحرقة عن اخوانه الذين عذبتهم السلطات العراقية وانه تذكر هذه الاشياء كان يجعله ينهار تماما. وجاء يوم ورأيت الشاب! لست ملما بكيف تكون هيئة الناس في البصرة ولكن هاهو كما اراه شابا لوحت وجهه الشمس , قصير القامة , اجعد الشعر ولو دققت فيه واعملت فيه فكرك لاكتشفت مالم يمكنك اكتشافه من قبل. حين حانت ذات يوم فرصة للحديث معه لم اجد مايثير شكوكي ولكن صديق لي ظل يدخل الشك في نفسي فكان يقول لي! هل صدقت انه من البصرة ! انه ليس عراقي! ياللمحتال! كيف كان يمثل علينا وهو يقول ان السلطات عذبت اخويه. ولكن حسحس ابن البصرة كما كان يسميه د نبيل كان له قصة اخرى وكان ذلك حين جمعتنا الظروف ذات يوم وسكنا معا في نفس الشقة. كان د نبيل الذي لم اكن التفت كثيرا الى غمزاته يقول لي وهو يقلب في جدر التمن*! هل تريد حكاكه* وقبل ان ارد عليه يستطرد سائلا حسحس! ها حسحس هل تريد حكاكه وكان حسحس يلتفت وهو لا يعرف بماذا يجيب وكان ذلك بمثابة دليل قاطع لنبيل بان حسحس هذا ليس عراقيا! كان حسحس يعرف باني متعاطف معه وانه لايهمني ان كان من البصرة ام من جزر الواق واق وقد اسر لي ذات يوم قائلا بانه يفهم غمزات نبيل والى مايريد ان يشير! وانه يتجرع مرارة السخرية حتى يأتي يوم فيحصل على الاقامة ويخرج من هذا المكان الموحش المقفر الذي تملئه الذئاب البشرية!
كان نبيل يعشق الشطرنج والضحك وطلبه هذا موجود عند العم سيم وهو مصري في اواخر الاربعين من عمره وقد كنت اتحدث معه كثيرا كلما التقيت به! وكان له اراء غريبة لاتخلو من قفشات المصريين وروحهم المرحة! وقد سكن مع نبيل لفترة من الوقت وكان نبيل يقول انه حين التقى العم سيم ان هذا قد قدم نفسه بان ذكر له الاسم الثلاثي مضافا اليه عبارة اخوان مسلمين من جمهورية مصر العربية ! كان العم سيم يزورنا في الامسيات ليلعب الشطرنج مع نبيل وكنا انا وحسحس نجلس متفرجين بعد ان نقرر من سنشجع قبل بداية اللعبة وذات يوم خطرت لحسحس ان يلعب بالنار فقال للعم سيم بان هناك صبي يتحداك وانه يلعب الشطرنج احس منك فجن جنون العم سم وقال له وقد شعر بالاستفزاز هات لي هذا الصبي لاعلمه الشطرنج وغامر حسحس شعور بالتحدي. كان سامر في العاشرة من عمره وهو ابن لشيوعي عراقي, اذن له والده بقبول التحدي وعصر ذات مساء جاء سامر واستدعي العم سيم على عجل للمبارزة الكبرى وتم اللقاء. جلس الاثنان العم والصبي وجئ بصندوق الشطرنج. وبدأت اللعبة ونحن نتابعها عن كثب انا ونبيل وحسحس الذي كان يستفز العم سيم بانه خاسر لامحالة وماهي الا بعض نقلات وكش مات! فاز الصبي وسقط العم سيم في ساحة المعركة غير مصدقا! وانفجر حسحس في موجة ضحك عاتية ,شعر وكأنه الذي انتصر وراح يغني ويرقص ويملأ الجو عربدة والعم سيم يبرر ! ده عيل عايزيني اغلبه حتى يتعقد لازم اشجعه ولكن حسحس يصب الزيت على النار ويرد كلام فاضي عيل غلبك! ونبيل يضحك ولايكف عن الضحك! لم يكن شئ يضحكه ويضحكنا غير تبريرات العم سيم وغضبه وصراخه وهو يدافع عن نفسه! ويطلب دورا جديدا ولكن حسحس يقول له ضاعت فرصتك غلبك وخلاص ولكن لم تكن هذه الواقعة التي كادت ان تشعل البيت نارا بل كانت حادثة عادية جدا. ظهرت ذبابة في الغرفة , استل العم سيم جريدة وقتلها وتدخل حسحس فقال للعم سيم ! لماذا قتلتها انها حشرة زيك! اخطأ حسحس التعبير كان يريد ان يقول له انها مخلوقة زيك وعبثا حاول ان يدافع عن نفسه حين باغته العم سيم بعبارة لازلت اتذكرها عن ظهر قلب حين قال يرد عن نفسه اهانة حسحس ! انا حشرة ياجرثومة المجتمعات الانسانية جمعاء! لم يتحمل نبيل الموقف! كان ذلك فوق طاقته وفوق تحمله, كان مستلقيا على سريره, اغلق باب الغرفة واستسلم لموجة من الضحك الهستيري كاد يخنق انفاسه!

هامش
التمن: الرز
حكاكة: مصطلح عراقي محلي صرف يعني الجزء المحترق من الرز في قعر القدر

هناك تعليق واحد:

Raffat يقول...

جميل جدا أيها السويدي المخضرم .. هل بقي منا نحن البشر الهاجرون حكاكة .. لا أظن .. ربما بقايا لاتؤكل .. مشتاق