الاثنين، 11 يناير، 2010

السويد والحرية 1

لطالما ظننت ان اهل مكة ادرى بشعابها ولطالما اعتقدت اعتقادا جازما بان السويد تنال من السمعة في العالم العربي اكثر مماتستحقه وان العالم العربي مصاب بعمى الالوان وبالنفاق. وان دور توضيح حقيقة السويد يقع على عاتق كل من يعيش فيها ويختلط بناسها واهلها وهذا الدور لايمكن ان يلعبه الدبلوماسيين العرب في السويد بتقاريرهم التي يكتبونها في مكاتبها الانيقة فهؤلاء يرون العالم من وراء زجاج سيارتهم المارسيدس السوداء. ان دور كشف السويد يقع على من يركب الباص ومترو الانفاق وباعة الخضر والفواكه في ساحة ستوكهولم وغتنبرك ومالمو واوبسالا وفالون وكيرونا على حدود القطب الشمالي!



ذات يوم وبين عشية وضحاها اصبحت في السويد استنشق هواءها النقي العذب الممزوج برائحة بحر البلطيق في مدينة صغيرة تسمى ايستاد. كنت اقيم في بيت صغير تؤجره بلدية ايستاد للقادمين الجدد وكان البيت يقع مباشرة امام مركز شرطة المدينة الرئيسي.

ثم فجأة بلغنا ذات يوم بخبر نقلنا الى قرية سولبري. جئت بخريطة وحاولت ان ابحث عن هذه القرية فاعيت في البحث عنها واستعنت بخبرة مسوؤلة في دائرة الضمان الاجتماعي فداخ رأسها وهي تبحث عنها في الخريطة حتى وجدتها بعد لأي وجاء يوم المغادرة فركبنا في الساعة الثانية عشر ظهرا قطارا وكنا مجموعة من الباحثين عن مستقبل افضل. وصل القطار بعد ساعتين مدينة مالمو ومن هنا اخذنا قطار اخر راح ينهب الارض نهبا حتى عبر ستكهولم وضواحيها ثم واصل رحلته نحو الشمال! غفونا مع هبوط الظلام ومر الوقت بطيئا متعبا وكان الليل ثقيلا على الجسم والانفاس الى ان بلج الفجر فوقف القطار فلم ينزل منه غير نحن. دارت عيوننا في الارجاء فاصطدمت ببناية صغيرة كأنها بيت سكني. هذه هي المحطة اذن وماحولها بضعة اشجار ولاشئ سوى برد الصباح والخلاء والصمت. هذه هي نهاية العالم! وقف امامنا رجل نحيف الجسم بلحية مدببة , نظر الينا مبتسماوتولى رجل اسمر السحنة كان يرافقه عملية الترجمة! رحب بنا! اهلا بكم في هذه الارض التي تطأها قدمكم لاول مرة! ركبنا حافلة انيقة راحت تحفر عجلاتها ارض غير مبلطة. نبدو وكأننا في رحلة استكشافية في مجاهل افريقيا. لافرق سوى ان الطبيعة الاستوائية اكثر جمالا وجاذبية فهذه الطبيعة رغم نسمات صيف حزيران باردة في هوائها واشجارها! ماذا يطمح عربي يعشق الحرية ويكره الاستبداد غير هذا الكون المفتوح على مصراعيه حيث الهواء والماء والشجر ولاوجه حسن! وقفت السيارة اخيرا, خرجنا منها نظرنا فيما حولنا فوجدنا انفسنا في مكان يشبه اماكن اقامة موظفي النفط العاملين في جوف الصحراء. سمعنا لغة عربية , ورحنا ننترصد اللهجات ونرى وجوه سمراء من الجنسين تتمعن فينا ونتمعن فيها!

تعرفنا على اماكن سكننا الانيقة والصغيرة والضيقة والجاهزة وحين خرجنا منها نستكشف الطبيعة عرفنا حدود الحرية المتاحة لنا. نحن في قلب غابة يسكنها ثلاثمائة شخص. اقرب مدينة تسعون كيلومترا. نتقاضى راتبا صغيرا ثمن تذكرة الباص الى اقرب مدينة مأهولة بالسكان يعرضه لزلزال كبير. وسيلة الترفية الوحيدة لدينا هي طاولة بليارد وتلفزيون حكومي يعرض موسيقى كلاسيكية طوال النهار وفي الليل يعرض برامج لانفقه منها حرفا.

يحيط بنا جبل يسد ارتفاعه الافق من احد الجهات وفي جهة اخرى ترى الطريق الذي سلكناه يواصل رحلته في مسارات ملتويه فلانرى له نهاية. كانت هذه بداية حكايتنا مع الحرية في السويد , يمكنك ان تفعل اي شئ وفي نفس الوقت ليس بمقدورك ان تفعل شئ.

هناك 3 تعليقات:

البرجوازي العراقي يقول...

بالعراق المحض راح احجي

عيني رحم الله والديك راح تفهمنا شلون الحياة بالسويد بالضبط

سليم مطر في مؤلفاته يطرق الموضوع ولكن عن فرنسا وعن اوربا بشكل عام وساحاول الكتابة عن الموضوع وساشير لمدونتك في نفس المقال.

عمر يقول...

كتبت عن السويد خمس رسائل لحد الان واظن انها ستنال النصيب الاكبر من حقدي ولعناتي

Raffat يقول...

السويد .. ياعمر ليست لعنة بقدر ماهي غير مناسبة لبشر غير مناسبين .. نحن الذين أتينا اليها خاضعين لطبيعتها وسمعتها الحسنة .. مع الوقت اكتشفنا بأنها حقا لاتناسبنا ومع ذلك بقينا خوفا من اختيار آخر ربما سيكون اكثر "لعنةً" ههههه .. "لست انا من يكتب "