الجمعة، 11 ديسمبر، 2009

سنوات الجحيم - خيبة امل عند نهاية الرحلة

انطلق السائق خارج المدينة بعد ان اخبر سواق صادفهم بما وقع عليه من صيد ثمين . كان المبلغ الذي اتفقنا عليه مع السائق هو عشرون دولارا والدفع بالعملة الصعبة وكان ذلك مريحا لكلا الطرفين
لم اكن املك بدوري سوى بضعة قطع معدنية صغيرة من العملة المحلية بعد ان دفعت ماقمت بتصريفه ثمن كراء سيارة الاجرة من المطار الى القنصلية.
كان الجوع ينهش في لحم بطني, لم املك لا انا ولا أي فرد من افراد الشلة فرصة لالتقاط الانفاس, كل شئ يتم بسرعة وعجلة. لاوقت للحاجات الانسانية , ليس هذا وقت البطن. اننا في سباق مع الزمن ولاأعرف السبب ولكن الواضح باننا كنا حملا ثقيلا على القنصلية, كانت تريد ان تخلص منا بسرعة وبأي طريقة, لاوقت عندها لنا بل اني اجازف واقول بانها كانت منزعجة من وصولنا وان ذلك قد سبب لها الضيق والكدر.
تنطلق السيارة مسرعة تقطع طريقا لانهاية له يشق غابات كثيفة تنتشر على جانبيه , السائق صامت ونحن متعبون, منهكون بسبب ليلة البارحة.لا اظن ان أي واحد منا عدا السائق طبعا كان يملك تصورا عن بعد مدينة ووج عن وارسو ولكني خمنت بأننا لن نصل قبل ساعتين وان الطريق طويل واننا حين نطوي هذه المسافات فاننا كنا فعلا نقذف بأنفسنا في المجهول, لم تكن لدى أي واحد منا أي فكرة عما نحن مقدمون عليه في الساعات المقبلة, سنصل ولكن الى اين؟ غابات كثيفة خضراء طوال الطريق , لانرى شيئا غيرها وغير لوحات المرور التي تشير الى ماتبقى من الطريق .
كانت قد ظهرت لوحة تشير الى مدينة لودز , هكذا كنت اقرأها بحروفها الاتينية ولم اكن اعرف انها تقرأ بالبولندية ووج
وان هناك اختلاف كبير جدا في تهجي الحروف البولندية عن الاتينية خصوصا مع وجود حروف جديدة في البولندية ليس لها مقابل في الحروف الانجليزية.
كانت معالم مدينة ووج التي بدأنا ندخلها الان لاتختلف في كثير عن وارسو مع فارق بسيط هو ان بنايات المدينة تبدو اكثر قدما كانت المدينة سوداء شحيحة الالوان , ليس فيها لارونق ولابريق , جدران مبانيها قذرة يلطخها السخام وهواءها خانق ثقيل ولكنها رغم ذلك كانت منظمة بشكل جيد, وكان الترام الذي كنا نراه فقط في الافلام العربية القديمة يزاحم السيارات ويحدث ضجيجا عاليا بسبب ارتطام عجلاته الحديدية بخطوط السكك التي يسير عليها.
دلفت سيارتنا في شارع فرعي قبل ان تبلغ مركز المدينة ثم توجهت يسارا ثم بعد مسيرة مئات الامتار بدا السائق حائرا مترددا و كان من الواضح انه لايعرف طريقه وانه بحاجه الى من يرشده الى هدفه حيث تقع المدينة الطلابية.
وجد فجأة طوق النجاة حين وقعت عيناه على شاب اسمر توجه نحوه واستوقفه. سأله عن المدينة الطلابية فرد عليه الشاب مظهرا مقدرة في اللغة البولندية وقد ادركت ذلك من سرعته في الكلام وهو يوضح للسائق عن الطريق الذي يسلكه للوصول للمدينة الطلابية.
كانت المدينة الطلابية عبارة عن بضع مبان بيضاء عالية على الطراز الستاليني. توقفت سيارتنا امام احداها وترجلنا منها. كان المدينة تعج بالسحنة السمراء والسوداء وكان من الصعب العثور في هذا المكان على ابن البلد. بقينا حائرين لفترة من الوقت, نتطلع من حولنا, نتفحص المكان. هذه هي نهاية الرحلة اذن. من بغداد الى هذا المكان البائس الذي يضج بالغربة والوحشة. تمنيت في داخلي لو عدت من حيث اتيت, بدت فكرة الاستقرار في هذا المكان مثيرة للملل والضجر. وربما كان اكثر ماروعني في تلك اللحظات هو وجود عراقيين يعرفون البولندية بطلاقة كما انهم يعرفون المكان جيدا وقد اقاموا هنا منذ فترة طويلة بدون شك. كانت تخيفني فكرة الالتقاء بهم, وجدتهم سينظرون الينا نحن القادمون الجدد من عل وينظرون الينا من وراء خشومهم وهم يقولون : انتم من الطلبة الجدداذن! ثم يبدأون يتفلسفون برؤوسنا ويستغلون الفرصة فيرطنون بالبولندية وكأن قالهم يقول. انظروا انكم لاتفهمون شيئا مما نقول!

ذهبنا نحن الثلاثة وأنا ورفاق السيارة إلى حانوت طلابي يقع في أحدى البنايات العالية وكان المبنى يضم في أحدى طوابقه معهد اللغة أما هذا الحانوت فيقع في طابقه الأرضي , اشترينا بضع ساندويتشات وقناني مياه غازيه, كان علينا الحذر منذ البداية من شرائح لحم الخنزير التي تباع بوفرة هنا. التقينا ببعض أفراد الجوقة التي رافقتنا في الرحلة الطويلة, التقى البعض منهم بمعارف وأصدقاء ولكننا تفرقنا منذ البداية مثل حبات السبحة المقطوعة, في تجوالي في المدينة الطلابية التي لاتزيد مساحتها عن كيلومتر مربع
حاولت التعرف على المكان في محاولة للبحث عن ألفة معه ولكني لم أجد شئ أميل أليه بل ضقت بالمكان ذرعا. وقد راودتني فكرة بان المدينة ربما تكون أجمل واني فقط في أطرافها فلم نصل إلى مركز المدين بعد.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

هل هكذا بدت بولندا !!
كيف تراها الآن ؟!