الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

سنوات الجحيم - عند مقام صاحب الجلالة


فجأة دبت حركة سريعة ونشيطة بين الطلبة وسمعت كلاما غير مفهوما عن عودة الطالبين ومعهم موظفا من السفارة أو القنصلية. خرجنا جميعا إلى الخارج فوجدنا شخصا يرتدي بدله سوداء غير أنيقة , حاول أن يكون معنا لطيفا ودودا رغم انه بدا عليه الضيق والتبرم من ما يقوم به من مهمة. صرخ بنا توجهوا إلى القنصلية بسيارات الأجرة , كان طابور سيارات الأجرة يقف طويلا لايأبه به احد فوقف رجل القنصلية أمامه وهو يومئ إلينا صارخا , هيا لا تضيعوا الوقت , إلى السيارات , هرع الطلبة إلى السيارات بلا نقاش , سمعت من يسأل كم نعطي السائق ؟ فصرخ به أعطيه ما يريد , وصرخ بآخر أعطيه خمس دولارات, (كان من الواضح أن المبلغ كبيرا جدا على سواق سيارات الأجرة وان رجل القنصلية كان يتخرود برؤوسنا) والذي جعلنا نميل إلى هذا الاعتقاد هي انه كان في عجلة من أمره يريد أن يفرغ من هذه المهمة بأي شكل من الأشكال ولم يكن عنده الوقت للمساومات حول السعر وخصوصا هو الذي سيتولى عملية الترجمة , كان يقف على رأس سائق سيارة الأجرة يقول له جملة واحدة فقط اغلب الظن كانت اسم الشارع ورقمه , يومأ السائق برأسه علامة الفهم ويطلق لسيارته العنان.
انطلقت بنا سيارات البولسكي فيات او الفولغا الروسية مسرعة في شوارع مدينة لم تستيقظ بعد. كانت المدينة رغم نظافة ظاهرية ومبان عمرانية غريبة في طرازها ولم تألفه عيوننا الا انها لم تحدث في نفوسنا شعورا باننا في قلب مدينة اوربية متطورة. كانت البنايات العالية البيضاء تبدو في اشكالها المتشابهة مثل قطع الدومينو الواقفة والسيارات التي تعج بها المدينة كانت كلها من طراز واحد من صنع محلي وقد استغربنا حين رأينا سيارة لم نراها من قبل وهي سيارة فيات من حجم صغير يسميها البولنديين مالوخ كانت تنتشر في شوارع المدينة بشكل كبير وكانت هذه تصنع في بولونيا فقط.
كان مطار اوكينجا يقع في احد ضواحي العاصمة الجنوبية وقد اتخذ اسمه من اسم المنطقة التي يقع فيها. وهو المطار المحلي والدولي في وارسو ولم يكن هناك مطار اخر في وارسو غير مطار اوكينجا. وكان على سائق سيارة الاجرة التي ركبنتها مع اثنين من الشلة ان يقطع عشرة كيلومترات قبل ان يصل القنصلية وكان كلما زاد من سرعة السيارة وتوغل في المدينة اكثر كلما ظهرت معالم هذه اكثر وضوحا . كانت السمة الغالبة هي التشابه في الشكل المعماري.
دخل السائق في ساحة كبيرة انتشرت على جوانبها بنايات عالية , توقف وترجلنا من السيارة فشاهدنا بضعة افراد من الشلة سبقونا في الوصول وبعضهم وصل معنا. توجهنا نحو بناية عالية بيضاء بدت وكأنها عمارة سكنية اكثر من عمارة تجارية , صعدنا في مصعد ودخلنا في شقة. يدت الشقة صغيرة وغير مرتبة. صالة استقبال صغيرة تؤدي الى بعض الغرف , انحشرنا في ممر ضيق يؤدي الى غرفة القنصل. انتظروا قليلا , القنصل يريد ان يتكلم معكم. اذن القنصل بالدخول فدخلنا عليه جميعا. كان القنصل في اواخر الخمسينات من عمره كما يبدو , ابيض الشعر يجلس وراء منضدة مكتبية طويلة وفخمة وامامه مجموعة من الاوراق. بدا وكأنه يحضر لنا خطبة. استرسل في الكلام, ونحن صامتون لايقاطعه احد. بدت خطبته اشبه بالموعظة. طلب منا التقشف في الصرف قائلا بان البلد في حالة حرب وهي محتاجة لكل دولار ثم نبهنا الى ان مافي حوزتنا من دولارات يجعلنا ان نعيش عيشة الملوك ونصحنا بالعقلانية في الصرف وقال لنا بأن الوزير في هذه البلاد يتقاضى ماقيمته عشر دولارات واننا نتقاضى اكثر منه مئة مرة واضاف: لاتعيشوا كوزير بل نصف وزير, ذلك افضل لكم ويبعد عنكم عيون السراق وعيون الناس. وهو يتحدث انطلقت نغمة موسيقية من ساعة يدوية لاحد الطلبة فعقب على ذلك بالقول ستجعلون هذا الشعب البسيط يصاب بالجنون من وراء صرعاتكم هذه , هذا الشعب لايعرف هذه الاشياء ثم قدم لنا نصيحة ابوية وهي ان نودع جزء كبير من دولاراتنا في ظرف ونسلمه لموظفي القنصلية كأمانة خوفا على دولاراتنا من السرقة وقال في النهاية بأننا سنتوجه الى مدينة ووج وان ليس بالمقدور تأمين باص يحملنا الى هناك بل انناسنعتمد على انفسنا ونقوم بكراء سيارة اجرى وهي غير مكلفة نظرا لما نملكه من دولارات كثيرة.
انسحبنا بهدوء الواحد تلو الاخر , توجهنا نحو موظفة كانت تجلس في غرفة الاستقبال, اخرجنا دولارتنا من جيوبنا , عزلنا جزء منها واودعنا جزء اخر في ظرف تسلمناه من الموظفة. كتبنا على الظرف الاسم الكامل وسلمناه للموظفة التي سجلت اسم المودع وقيمة المبلغ المودع في ورقة منفصلة.
غادرنا القنصلية وخرجنا من البناية البيضاء متخففين من حمل الدولارات الثقيلة. توجهنا نحو موقف سيارات الاجرة التي تريثنا قليلا قبل ان نبدأ رحلتنا نحو مدينة ووج.


الصورة لسيارة فيات البولندية موديل مالوخ هي كلمة تعني الصغيرة وكانت لاتنتج وتسوق الا في بولندا وقد اوقف انتاجها ربما لانها تذكر البولنديين بحقبة سوداء من حياتهم!

ليست هناك تعليقات: