الثلاثاء، 8 ديسمبر، 2009

سنوات الجحيم - ليلة باردة في مدينة غريبة

كل شئ في الطائرة كان يرتعش وتصدر عنه أصوات تثير الهلع بل أن جسم الطائرة كله كان يرتجف بشدة كلما هبطت قليلا وتمايلت في طيرانها المنخفض, وفكرت بأن ساعة الوصول قد أزفت وما هي إلا دقائق وتهبط طائرة شركة الخطوط البولندية (لوت) في مطار العاصمة وارسو. كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف مساء في هذه البلاد الغريبة التي تطأها قدمي لأول مرة والتي تعيش أجواء حرب أهلية تدور رحاها بين الحكومة ونقابة تضامن العمالية.

حين خرجت من باب الطائرة استقبلنا هواء فاسد وليل بهيم ثم مالبثت أن أطلت علينا مع دخولنا بهو الاستقبال وجوه الشرطة البولندية يشوبها اصفرار وزرقة ويغلفها عبوس وصرامة.
واجهت رجلا يجلس في كابينة كانت مهمته ختم جواز السفر. نقل بصره بين أوراق الجواز ووجهي قبل أن تصك أذني نغمة محببة وهي صوت الختم يقذف بحبره على الورق ليأذن لي بالدخول في باب يؤدى إلى صالة انتشر فيها موظفو المطار مع بضع أفراد من الشرطة.
طلب منا موظفي المطار بالإعلان عن ما في حوزتنا من عملات صعبة وتدوينها في قسيمة خاصة تسمى (ديكلاراسيا) قد أثار ذلك إرباكا بيننا نحن الطلبة الوافدين للدراسة في الجامعة فلم نكن نعرف عما إذا كان من المفيد لنا تدوين الرقم الحقيقي لما في حوزتنا من عملة صعبة أم التحايل فقد ارتفع أكثر من صوت يحذر لاتكتبواالحقيقة! سيحولون دولاراتكم إلى العملة المحلية بسعر البنك وهو سعر زهيد بل لاشي قياسا إلى سعر السوق السوداء•.
احدث طلب موظفي المطار فوضى بيننا , تدافع البعض للحصول على قسيمة البيانات المطلوبة وصرخ أكثر من صوت يستجدي قلما وارتفع من يصرخ بان الشرطة قد تلجأ للتفتيش الشخصي إذا ما ارتابت في صحة البيانات المدونة في القسيمة واقترح البعض إخفاء القسم الأكبر من الدولارات في الحذاء وقد عملت بهذه النصيحة فأخفيت مبلغ ألف وثلاثمائة دولار من أصل ألفيين وأنا افعل ذلك في حركة سريعة لاتخلو من العصبية التفت فجأة إلى الارض فوجدت ان ورقة من فئة المئة دولار قد سقطت مني التقطتها بسرعة دون ان انظر إلى احدا.
ختم موظف الجمارك قسيمة الديكلارسيا وهو ينظر الي نظرة باردة وحين انهيت تلك الاجراءات المملة خرجت الى صالة كبيرة فاستقبلتني وجوه المسافرين متعبة بملابس معتمة تعتمر قلنسوات غريبة الشكل. كان اثاث بهو الاستقبال فقيرا والجدران كالحة تنطق بالتقشف والرخص.


درت في المكان ابحث عن الشلة المرافقة لي من الطلبة التي سبقتني في الانتهاء من الاجراءات الروتينيه في المطار. رأيت الوجوه حائرة , مستغربة مستهجنة تدور تفحص كل شئ وكانت هناك رغبة عند البعض في دخول الحمام ولكن اين الحمام؟ راينا زاوية في المطار لجات اليها برفقةاثنين من الشلة قبل ان ندخل اعترضت طريقنا امراة مسنة كانت جالسة في مطلع الممر الذي يؤدي الى الحمام , رمقتنا بنظرة غاضبة وهي تدمدم بكلمات بولندية لم نفهم منها حرفا. أومأت الى صحن صغير رأينا فيه بعض القطع المعدنية ففهمنا على الفور بان الدخول للحمام غير مجاني وانها تطالبنا بالدفع. حاولنا بالاشارات افهامها باننا لانملك أي قطع معدنية صغيرة ولكنها لم تكترث ولم تسمح لنا بالدخول فتركناها وتركنا حمامها ونحن نلعنها بصوت مسموع مدركين بانها لم تفهم مانقول. حاولنا البحث عن تواليت اخر لكنناسرعان مااكتشفنا بانه لاوجود لاخر. وزاد من الامر سوءا وتعقيدا أن الخروج من المطار كان محفوفا بالمخاطر لما بلغنا من معلومات في الطائرة من أن ساعة منع التجول تبدأ في الحادية عشر مساء وكانت الساعة قد تجاوزت ذلك الموعد ببضع دقائق وقد بدأنا نرى انتشار للشرطة خارج المطار.
اخذ مني التعب كل مأخذ , كانت الرحلة الجوية شاقة , بدأت في الصباح بطائرة من مطار جنيف الى العاصمة التشيكية براغ حيث مكثت ستة ساعات بأنتظار الطائرة البولندية والان تقارب الساعة منتصف الليل, تكومت على مقعد جلدي اسود ابحلق في الفراغ. كنا قد اخبرنا الشرطة بعزمنا على البقاء في المطار والمبيت في بهو الاستقبال ان لم يكن هناك مانع فلم يعترضوا خصوصا وان ساعة منع التجول قد بدأت بالفعل. كان الصالة قد فرغت تماما من المسافرين بل حتى موظفي المطار اختفوا كلهم مرة واحدة بما في ذلك تلك البنت الشقراء التي كانت تدير كافتريا في زاوية تقع على يمين الداخل للصالة

يتبع.....



هناك تعليق واحد:

البرجوازي العراقي يقول...

هاي غير مشكلة مالت سجل العملات اللي عندك.

بس شلون فلتت منهم وخليت الفلوس بالحذاء؟

بالتسعينات بالعراق كان ماممكن تاخذ وياك اكثر من مبلغ معين من الدولارات فكان نفس الشي التهريب بالاحذية وبالملابس الداخلية.

هسه بعد ميفيد الاحذية تتخلى وية الجنط وهم تنضرب اشعة اكس وية الاحزمة.

البرجوازي العراقي
http://birjwzi.blogspot.com