الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2009

سنوات الجحيم 7- يوم يمضي وكأنه سنة وسنة تمضي كأنها يوم

توقف الباص اخيرا فتوجهت جميعا الطلبة الى نهاية الباص حيث الحقائب المكومة , تدافعت مع المناكب في سبيل ان احصل على موطأ قدم قريب من الحقائب. فتح الباب الخلفي للباص فجاءت منه مجاميع اخرى من الطلبة لانتشال حقائبها , تنفست الصعداء مع كل حقيبة تخرج مع صاحبها والحقيقة هي ان كل طالب كان قد اتي بثلاث حقائب على الاقل, وكانت لي حقيبة يتيمة متوسطة الحجم , كان علي الان ان اجاهد بكل مااملك من قوى عضلية للتدافع والبحث عنها . حين فرغت مؤخرة الباص تماما من الحقائب وتفرقت الطلبة , وقعت عيني عليها , كانت هناك جالسة, لم تصدق عيني مارأيت, استوعبت صدمة المفاجأة بسرعة انتشلتها وانا انزل من الباص, كان الطالب القديم الذي كلف بمرافقتنا يرشدنا الى رصيف القطار وكان هناك واحد اخر يحثا على الاسراع في المسير نحو رصيف القطار . كانت المحطة كبيرة للغاية وتتكون من قاعة مغلقة واخرى مكشوفة تضم مجموعة من الارصفة. كانت الطلبة تحمل عبئها الثقيل المكون من مجموعة الحقائب وقد تحايلت في كيفية حملها مابين حمل على الاكتفاف وسحب وجر في حين كنت امشي مسرعا بحقيبة صغيرة, غير ابهه بما يثار حولي من ضجة, فجأة نظر الي احد المرافقين وكان يتبختر في مشيته بدون حقيبة طبعا وقال لي : هل هي هذه الحقيبة التي اضعتها وخبصت الدنيا عليها بس والله العظيم انت الوحيد اللي تفتهم , يعني مدكولي شنو معناها كل واحد جايبلها عشر جنط! ثم اضاف : ساعد واحد من هؤلاء المساكين, وقد انفطر قلبي فعلا لمنظرهم المزري وهم يجرجرون الحقائب الثقيلة وانفاسهم تتقطع فهجمت على واحد منهم وانتشلت منه حقيبة من حقائبه مقدما له يد العون وانا اقول في داخلي , خففت من متاعي واغراضي من اجل ان لا اتبهذل هذه البهذله التي اراها الان ورغم ذلك لم اسلم! فها قد وجب علي ان اتبهذل وانا احمل حقيبة لاتعود لي
صعدنا الى قطار كان يبدو انه من الدرجة الثانية وهو القطار الذي لايدخل ضمن مجموعة القطارات السريعة الاكسبريس وانه كان قطارا قرويا يمر في كل قصبة وقرية وناحية وقضاء ويتوقف لبضع دقائق قبل ان يتابع سيره. كان القطار مكتظا بالمسافرين, توقفت في الفاصل الذي يفصل بين العربات وكان بعرض مترين وطول مترين ونصف وكان لايخلو من الواقفين في حين كانت العربة مكتظة تماما ورغم ذلك تسلل بعض الافراد ووجدوا مكانا شاغرا فجلسوا في حين وقفت في ذلك الفاصل غير منتظرا توفر مكان شاغرا في ساعات قد تطول وقد تقصر. خفف من عناء الانتظار وجود بنات شقراوات كانن يقفن ايضا ويبدو ان وجودهن قد شجع البعض الاخر على عدم البحث عن مكان جلوس فقد كان الوقوف بجاورهن ارحم من الجلوس بجانب أمرأة مسنة او شيخ طاعن في السن. انطلق القطار اخيرا وودعنا المرافقين بعد ان نزلا من القطار.
لم يمضي وقتا طويلا حتى شارف القطار ضواحي ووج ثم لم يلبث حتى بدأ يشق غابات طويلة واسعة لاعرض لها ولاطول, مضى الوقت سريعا في البداية بسبب وجود الفتيات ونظراتهن الخفية حينا والجريئة حينا اخر, لم نبدأ معهن أي مغامرة في الحوار, لم نكن نعرف البولندية ولا كيفية التحدث الى هذا الجنس الناعم الذي نصبح منه قريبين لاول مرة بهذا الشكل.
وكان الوقت يمضي بطيئا مرات اخرى خصوصا حين نزلن الفتيات في احدى المحطات ولم يبقى هناك غير نحن الطلبة في طريقنا الى مدينة لا نعرف عنها شيئا حتى ولو قليل من المعلومات السياحية.
بعد ثلاث ساعات مابين توقف ومسير في ذلك القطار الاوسوبوفة وهي كلمة تعني الفردي بدأ التعب يأخذ منا كل مأخذ, وبدأ الجوع يقطع في احشائنا وكان الاستمرار بالوقوف مع مايطلقه القطار من ضجيج في عجلاته امر فوق مايتحمله البشر. ومن حسن حظنا ان القطار كان كلما يقترب من هدفه كان يتخفف من المسافرين فكانت تفرغ بعض المقاعد ولكنها كانت في بعض الاحيان تشغل بمن كان واقفا, دلفت الى العربة فوجدت احد افراد الشلة يجلس امام بنت شقراء وكان يحاول التودد اليها بمختلف الوسائل. وقفت في الممر غير بعيد عنهما, كان الطالب يقرأ مفردات بولندية من كتيب صغير لتعليم اللغة البولندية وكانت المفردات والجمل مكتوبة بالعربية والبولندية ولأنه لم يكن يعرف طريقة تهجي الحروف بالبولندية فقد كان يقرأها بالعربية فكانت الفتاة تنظر اليه بأستغراب شديد وتستفهم منه عما يقول فكان يعيد عليها حينا القراءة مرة اخرى فكانت تهز رأسها علامة عدم الفهم. كانت الفتاة جميلة للغاية رغم بساطتها وشكلها القروي ولكنها كانت حسنة الهندام , مهذبة , مرحة, تتمتع بضحكة عذبة وكان ذلك يشجع صديقنا فيكثر من الحوار معها عبر الكتاب, انضم الي اثنين اخرين من الواقفين نراقب الحديث ونحن نضحك حينا ونستغرب حينا اخر وكنا نساعده في النطق بل اني لاابالغ ان قلت بان ذلك الكتيب كان يحمله اكثر من نصف الشلة وقد اندمجنا في الحديث الذي يجريه الصديق خصوصا وانه يلاقي حرجا في بعض الاحيان لان الفتاة لاتفهم مايقول خصوصا وان العبارات والمفردات التي كان يقرأها كانت غريبة كل الغرابة فقد كان يسألها مثلا هذا السؤال, قولي لي ارجوك كيف استطيع ان اصل الى محطة القطار , او عبارة مثل اين المطعم وهكذا من تلك العبارات التي تزخر بها كتب تعليم اللغات الاجنبية للسياح.
قدمنا له نوعا من الدعم المعنوي دون قصد منا , حاولنا التهجي فلم تفهم علينا الفتاة ايضا, كانت تلك المحاولات البائسة منا في نطق بعض العبارات البولندية البسيطة تدفع الفتاة احيانا الى ان تميل الى صاحبنا لتنظر في الكتاب الى الجملة التي يقرأها وحينا تراها تأخذ بقرئتها بشكل مضبوط فكان صاحبنا يظهر علامات التعجب ويردد وراء البنت ماتقوله. ربما حاول ان يبدو امام الفتاة بأن هدفه نبيل وسامي وهو تعلم البولندية لكننا كنا نعرف بالخبرة الطويلة بأن صاحبنا هو ابعد مايكون عن تعلم التحدث وانه يريد التودد ومغازلة هذا الملاك القروي الرائع لاغير , وكنت احسد عضو الشلة هذا الذي وقع في هذه الصدفة الرائعة التي اجلسته بجانب هذا الملاك. في النهاية انضم اكثر من عضو من الشلة الى المحادثة وكل يقرأ في طريقته وحسب اجتهاده والفتاة تصحح لنا وتضبط النطق وطريقة التهجي. وقضينا ساعة ونصف الساعة في تلك الاحاديث البسيطة مع الفتاة قبل ان تجمع اغراضها وحقائبها وتستعد للنزول فتغادرنا وقد عاد الينا الضجر والملل من جديد.


الموضوع القادم:

سبعة ايام في الهوليدي ان

هناك تعليق واحد:

Raffat يقول...

عزيزي عمر .. جميل جدا .. احببته حقا .. كل تلك الذكريات الجميلة لتنتهي .. جالسا على كرسي .. لاتعلم ماذا تفعل .. ضجرا مالا.. يائسا .. اهذا ما خسرنا عليه السنين لنفعله