الاثنين، 14 ديسمبر، 2009

سنوات الجحيم 6- حين يكون بيتك حقيبة سفر



في ظهيرة اليوم التالي عقد لنا اجتماع ثاني في قاعة كبيرة تقع في قسم داخلي مجاور وكان المتحدث الذي بدأ يتكلم هو مديرة معهد اللغة التي ألقت على أسماعنا خبرا لم يكن جديدا علينا بل تصورنا انه مجرد إشاعة حين سمعنا به في صباح ذلك اليوم . قالت مديرة المعهد بأن الدوام الدراسي في معهد تدريس اللغة قد بدأ في مطلع الشهر العاشر وهو موعد بداية الدراسة في الجامعات البولندية وانه نحن الآن في الشهر الثالث أي أن الدراسة قد بدأت قبل ستة أشهر ونيف وان المشكلة تكمن أصلا ليس في هذا الموضوع بل في عدم توافر أماكن شاغرة للإقامة في القسم الداخلي وانه بناء على ذلك سيتم ترحلينا إلى مدينة بولندية أخرى وهي مدينة كراكوف الجنوبية ثم أطرت المديرة على جمال المدينة وقالت بأنها كانت عاصمة لبولندا بضعة قرون وان المدينة تتميز بآثارها العريقة.. وقع الخبر نفسي موقعا حسنا وخصوصا واني كرهت هذه المدينة منذ اللحظة التي وطأت قدمي فيها. بعد الاجتماع بدأ الأعداد لقائمة بأسماء الطلبة الذي سيرحلون. ترك المجال أيضا مفتوحا أمام الشلة التي سبقتنا قبل يومين في الوصول إلى بولندا بالسفر لكراكوف والدراسة فيها وأبدى البعض رغبتهم في ذلك. وكان المعهد قد قام بتأمين أماكن سكن لتلك الشلة.
طلب المعهد منا التهيؤ للسفر في الساعة الخامسة مساءا. كانت الساعة الثانية بعد الظهر وقد طلب مني اثنين من الشلة مرافقتهما للذهاب الى مركز المدينة للتبضع قبل الانطلاق للسفر. قمنا بجولة مماثلة لتلك التي قمنا بها في اليوم السابق, حيث تجولنا في نفس الشارع.
تقع مدينة ووج في وسط بولندا ويقطنها 845000 • نسمة وهي واحدة من اكبر المدن البولندية وهي مركز الصناعات النسيجية القطن والالياف الصناعية والملابس الجاهزة وصناعة الورش والصناعات الكيميائية وتعتبر مركز ثقافي لما تضمه من جامعات وخصوصا المدرسة العليا للافلام( هنا صدمت بان تكلفة الدراسة في هذه المدرسة تبلغ ستة الاف دولار سنويا وهي تكلفة عالية قياسا الى الدراسات الاخرى عدا الطب وبعض العلوم التطبيقية الاخرى) ومتحف الفن والمتحف التاريخي للنسيج وقد شيدت المدينة في بداية القرن الرابع عشر ولكنها بقيت لفترة طويلة لاتشكل اية اهمية قبل ان تشهد ولادة الصناعات النسيجية في القرن الثامن عشر حين انتقل اليها نساجون من دول الجوار. لم نكن نعرف ونحن نتجول في هذه المدينة شيئا عن مانراه من تاريخ هذه المدينة. لم نعرف المتحف من المعمل. دوائر الدولة من الشركات الخاصة.

لم نعرف ايظا بان الوقت كان يمشي بسرعة فقد انتبهنا فجأة بانه لم يبقى غير اقل من خمسة واربعين دقيقة من الموعد الذي ضربه لنا المعهد, طلبت من رفاقي التعجيل بالرجوع ولكني جوبهت بمعارضة حيث اتهمني رفاقي بالمبالغة في احترام المواعيد وبأن الموعد ليس بالضرورة ان يكون مقدسا ولاشك بانه سيكون هناك تأخير قبل ان يجتمع الشمل كله وقبل ان يأتي الباص الذي سيأخذنا الى محطة قطار المدينة, كان الوقت يجري بسرعة رهيبة حين قرر الرفاق الرجوع وكان يجب العودة باسرع وقت ممكن خصوصا وان لم يبقى سوى نصف ساعة. توقعنا باننا نملك وقتا كافيا للرجوع مشيا على الاقدام ولكن الوقت كان يحاصرنا كلما حثينا في السير وبدأت تفصلنا دقائق عن الموعد ومازالت المدينة الطلابية بعيدة, بدأنا بالمشي تارة وبالجري تارة اخرى. في النهاية اطلت المدينة الطلابية فدخلناها نقصد مكان الموعد وكان من المفترض ان يكون مقابل احد الاقسام الداخلية . وصلنا الى احدى هذه الاقسام فلم نجد لاتجمهرا ولاباصا. انتابني قلق شديد وتوتر, لم اكن اريد البقاء في هذه المدينة لحظة اخرى, هرعنا نتراكض الى قسم داخلي اخر يفترض ان يكون موعدا للقاء ولكننا لم نجد احدا, التقينا فجأة بطالب عراقي فسألناه عن امكان تواجد الطلبة المقرر تسفيرهم فأشار الى مكان , ركضنا نحوه ونحن نلهث , رأينا الباص اخيرا , والكل قد صعد اليه , وقف امام احد الطلبة الذي صرخ متسائلا عن اسباب تأخرنا , اجبناه بعجلة وطلبنا منه التريث قليلا من اجل ان نجلب حقائبنا. لم تكن عندي سوى حقيبة متوسطة الحجم وكنت قد اودعتها في سرداب احد الاقسام الداخلية كما فعل البقية, لم يكن القسم يبعد سوى بضعة امتار ولكن المشكلة هي اين هو مفتاح السرداب؟ هرعت الى الطابق الثاي عشر ركضا على الاقدام بسبب عطل المصعد. ساورني الشك من وجود الشخص الذي يحتفظ بالمفاتيح وتأكدت مخاوفي, باب غرفته مغلق ولااحد يجيب على طرقاتي المتواصلة , نزلت الى الاسفل بسرعة, زميلي الذي رافقني في الجولة التقى بصديق اخبره بانه قد حمل حقيبته الى الباص وطلب منه التوجه الى الباص. لكن حقيبتي لابد ان تكون في السرداب, فكرت بأنه ربما يكون باب السرداب مفتوحة بعد ان استلمت الطلبة حقائبها. هل يعقل انهم اغلقوه ثانية رغم وجود حقيبة فيه. هرعت نازلا الى السرداب فوجدت الباب مغلقة. كان علي التفكير بسرعة بما يجب علي ان اعمله , هناك باص ينتظر وهناك طلبة تململ من الانتظار وموعد قطار. اين مفتاح السرداب, ياناس ياعالم الاتعرفون من يملك المفتاح؟ لااحد يعرف , اتسلق درجات السلم من جديد وجهتي الطابق الثاني عشر , اسب وانا الهث الرحلة المشؤومة للمدينة ولمركزها, لااحد , لاأحد , السفر اهم من الحقيبة , اللعنة على الحقيبة! اقترب من الباص , يقترب مني واحد من ثلاثة يقفون امام الباص , كان يبدو انه مسوؤلا عن الرحلة , يقول لي , سنرسل اليك حقيبتك , الباص لايمكن ان يتأخر اكثر من ذلك , ولكن كيف اسافر بدون حقيبة وفيها كل اغراضي وامتعتي , يظهر فجأة شخص رابع يؤكد لي بان حقيتي في مؤخرة الباص , وانه قد تم تفريغ السرداب من كل الحقائب قبل اغلاقه , اتوكل على الله واصعد للباص , ينطلق الباص , اتوجه الى مؤخرته , اجد حقائبا مكومة واحدة فوق الاخرى بفوضى مفزعة , اين حقيتي , كيف اجدها هنا في هذه الفوضى؟ يجب ان اجدها الان حتى اخبر مسؤول الباص الذي يرافقنا من اني لم اجد حقيتي وانهم يجب ان يرسلوها لي على جناح السرعة, الباص ينطلق بسرعة ولكن الدقائق تمضي ببطء مشحونة بالقلق والتوتر والتوجس , انتظر ان يصل الباص الى محطة القطار حتى يحمل كل شخص حقيبته فتظهر في مكان ما تحت هذه الحقائب حقيبتي المختفية وربما لايظهر شيئا! من يدري؟

مشاركات سابقة في نفس الموضوع

هناك تعليق واحد:

Raffat يقول...

الحقيبة في مفهومها الفلسفي .. حاوية متنقلة لحاجات البشر حين السفر .. او حاوية لحاجات البشر في حال ليس لديهم خزانة هههههه جميل