الأحد، 13 ديسمبر، 2009

سنوات الجحيم 5- ضياع في ووج

ظهر فجأة شخص بدا من كلامه بأنه عراقي وكان يتنقل بين المباني العالية ويسأل كلما رأى إفراد من الشلة هل انتم من الطلبة الجدد لاتذهبوا بعيدا سنعقد لكم لقاء. لم يتم ذلك اللقاء إلا مع المغرب وبعد أن بلغنا بأنه لن نحصل على غرفة في القسم الداخلي بسبب عدم وجود غرف شاغرة وأننا سنبيت الليلة في قاعة لعقد الاجتماعات. قمنا بنقل دواشك اسنفجية من قبو يقع في احد تلك الأقسام الداخلية وفر شناها في القاعة . وقمنا بإيداع حقائبنا في ذلك القبو كما اخبرنا بأننا إذا احتجنا مفاتيح القبو فانه يمكننا الاتصال بشخص عراقي كان يقيم في ذلك القسم الداخلي وكانت له غرفة في الطابق الثاني عشر. قضينا يومنا دون أن نعرف رؤوسنا من أرجلنا, ندور في المدينة الطلابية كالتهائين الذين يبحثون عن شئ مفقود, ثم تجرأت مع طالبين آخرين وتوجهنا إلى مركز المدينة بعد السؤال والتحري عن واسطة النقل وكيفية الوصول. ركبنا الترام بعد أن اشترينا التذاكر من كشك يسمونه بالبولندية روخ وهي كلمة تعني حركة أي اشتري بضاعتك وأنت ماشي. كانت تلك الأشياء تبيع صحف ومجلات وأدوات وشفرات حلاقة وتذاكر ومواد منزلية ذات الاستعمال اليومي. كان الترام يسير على سكته الحديدية ويعمل بالكهرباء وكان على الراكب إدخال تذكرته في جهاز صغير يقع مقابل باب الدخول مباشرة, تنزل التذكرة في فتحة صغيرة في الجهاز, تضغط على مكبس صغير , تخرج التذكرة فتجدها مثقوبة ببضع ثقوب وكانت هذه هي العلامة التي يعرف من خلالها مفتشو الترام من انك قد قمت بتأشير بطاقتك وانك لن ترجع لتستعملها مرة أخرى. كان ثمن التذكرة سعرا رمزيا بل كان مضحكا جدا. ولا يعمل في الترام البولندي أي محصل تذاكر. بل أنها عملية تبادل ثقة بين الركاب ومصلحة نقل الركاب. كان المكان حملنا أليه الترام مزدحما بناس وجوههم شاحبة متعبة , وكان من الصعب في هذا الجزء من المدينة مشاهدة شباب من الجنسين بل كان كل مايقع نظرنا عليه هو موظفون , حرفيون , متسكعون , متقاعدون, نزلنا في ساحة ثم منها توجهنا إلى شارع غير عريض كانت تنتشر على جانبيه مخازن تجارية صغيرة لايتجاوز عرض المخزن عن مترين وكانت الواجهة الزجاجية تبدو شبه فارغة لاتعرض غير سلعة أو سلعتين مما يبيعه المخزن , كما كانت هناك أيضا مؤسسات الدولة وهذه عرفناها من شعار الجمهورية الأحمر والذي يصور نسرا. كان الغرض من خروجنا إلى مركز المدينة أو إلى السنتروم كما يسمى هنا هو مجرد الاطلاع وحب الفضول. تجولنا في حدود ساعتين عدنا بعدها ادرجنا إلى المدينة الطلابية.
قضينا بقية الليل في أحاديث وسوالف وكان في القاعة التي رصفت فيها الدواشك الأسفنجية بيانو ورغم انه لم يكن واحد منا يعرف العزف فانه لم يبقى واحد منا لم يجرب العزف على البيانو في تلك الليلة.
قضينا يوما ثانيا في المدينة بلا مأوى غير القاعة نغادرها ثم نرجع أليها وفي المساء حيث كنا نهجع بعد تعب من التجوال في المدينة الطلابية كنا نعود فنجرب العزف على البيانو وذات مرة كانت أقف من نافذة كبيرة كانت تشغل مساحة كبيرة من الجدار المواجه لباب الدخول سمعت طرقا على زجاج النافذة فرأيت مراهقات لايزد عمرهن عن خمسة عشر سنة يتطلعن إلي وهن يوجهن لي كلاما لم أكن اسمع منه شيئا فقد كانت النافذة مغلقة وقد تبين لي من حركاتهن وإشاراتهن أنهن يطلبن مني أن اخرج أليهن للتحدث. سأل واحد منا وكان في القاعة عدد قليل من الشلة ماذا يردن هؤلاء الفتيات فأجابه احدهم إنهن يردن فلوسك! وكنت قد لاحظت في اللحظات التي كنت أقف فيها مقابل غرفة استعلامات القسم الداخلي أن بعض الطلبة كان يقوم بإدخال فتيات مراهقات إلى القسم وذلك بالتنسيق مع موظفة الاستقبال وان ذلك الأمر كان مخالفا للقانون حيث يحرم إدخال الفتيات إلى القسم الداخلي من هن دون سن الثامنة عشر. كانت الحرية الجنسية تبدو ملفتة للنظر بشكل واضح وقد حدث أن اقتادني احد الأصدقاء إلى غرفة زميل له فرأيت بأنه يقيم بجانب زنجي إفريقي , فارع الطول وقد خرج من غرفته مراهق بولندي لايتجاوز عمره الرابعة عشر وكان يبدو واضحا أن الحرية الجنسية تشمل آفاقا أوسع مما يمكن تصوره.

ليست هناك تعليقات: