السبت، 7 نوفمبر، 2009

دمشق - بغداد - رحلة مع سائق ارعن 1

زرت بغداد مطلع الشهر الثالث من عام 2003 وقبول الحرب تقرع. صمم موظفوا الدائرة التي كنت اعمل فيها ان يقيموا لي حفلة غذاء وودعوني وكأنهم يروني للمرة الأخيرة. في ظهيرة 3 مارس اذار دخلت بغداد بعد غياب سبع سنوات. كان التوتر والترقب واجواء الحرب تخيم على هذه المدينة الصامدة التي واجهت الحرب والحصار وهاهي تستعد لحرب اخرى اكثر وحشية وضراوة. وجوه الناس متعبة والمدينة تعاني من الاهمال والفقر ولكنها بدأت اخيرا تتنفس الصعداء وبدأت تدخل اليها السيارات الحديثة الموديل والمستوردة من فرنسا كما انه اصبح واضحا شغف العراقيين بالسي دي وتوفر اجهزته باسعار رخيصة جدا مقارنة بسعر الفيديو الذي ظهر في نهاية السبعينات وكان اقتناؤه محصورا في الطبقات الغنية. تبدو بغداد وكأنها بازار كبير تعرض فيه مختلف انواع السلع والبضائع المهربة على رصيف الشوارع اما الصيدليات فلم تكن تشاهد فيها سوى الرفوف الفارغة اما الان فقد بدأت تظهر علب الدواء عليها ولكن بشكل خجول وحين سألت عامل الصيدلية عن سبب شحة الدواء بعد رفع الحظر عن الادوية اجاب بانهم لايملكون العملة الصعبة! مر الاسبوعين الذين قضيتهما ببغداد بسرعة. في اليومين الاخيرين واجهت مشاكل في الحصول على حجز مقعد في الطائرة الوحيدة التي تقلع من بغداد وكانت تابعة لشركة عراقية ولم اعر اهتماما كبيرا لهذا الامر فقد اعتدت السفر برا عبر الطريق الصحراوي ولكني حصلت على مقعد في اللحظات الاخيرة وبلغت بالحضور في الثانية بعد الظهر وفي يوم السفر وفي ساعة مبكرة من صباح يوم الرحلة وبينما استعد بحزم حقائبي رن جرس التلفونولم تكن من عادتي ان ارد على التلفون ولكني رفعت السماعة فجميع من كان في البيت يغط في النوم وسمعت صوت انثويا يسأل عني فاجبتها باني المعني بالامر فقالت لي تغير موعد الرحلة يجب ان تحضر الى المطار حالا! كانت بغداد تبدو في تلك الساعة من الصباح وكأنها قد اتشحت ببرقع من الغبار وقد تناهت لي الاخبار بان الحرب وشيكة وان جورج بوش امهل صدام اربع وعشرين ساعة ليغادر هو وابنائه العراق والا فان الحرب قائمة لامحالة. في المطار كان كل شئ يبدو طبيعيا. انهيت اجراءات السفر دون مشاكل! ووجلست انتظر في صالة الانتظار الصعود الى الطائرة , كانت الساعة التاسعة والنصف صباحا, اعداد المسافرين تزداد بمرور الوقت ولكن لاشئ يوحي بان موعد اقلاع الطائرة قد ازف ومضت الدقائق بطيئة! رأيت فيها من البشر اجناس وانتصف النهار ومرت ساعة وساعتين حتى تلقينا امرا بالتوجه الى مدخل الطائرة , اخيرا! لماذا اذن امرتمونا بالحضور المبكر!؟ كأن مامضي من وقت لم يكفيهم فجعلونا ننتظر في الطابور الطويل امام مدخل الطائرة وقتا اخر. في داخل الطائرة كانت كل منافذ التهوية معطلة! ثم انطلق هدير المحركات ومضى وقت الرحلة بسرعة ولكن الهبوط في مطار دمشق كان مرعبا فقد بدت الطائرة وهي تسبح في بحر من الغيوم حتى وهي تقترب من المدرج. كان مجال الرؤية معدوم تماما. سألني ضابط الجوزات في المطارعن الاخبار في بغداد فقلت له وانا اقتطع حوارا من فيلم الرسالة امريكا تقرع طبول الحرب وفي بغداد يستعدون لها في دمشق كنت اشعر بندم شديد لاني غادرت بغداد! ان تعيش الحرب بكل تفاصيلها هو افضل من ان تعيش هذا التوجس والانتظار! اخر طائرة تغادر مطار بغداد اليوم هذا ماتقوله الاخبار! التقيت عراقيا في بيت صديقي كان هذا الرجل يستعد للسفر الى بغداد ليلا! حسدته على ذلك كثيرا! انا وصديقي نرافقه الى باب الباص امام مكتب السفر في السيدة زينب, تمنيت لو اني مكانه فلم احلم يوما بالرجوع الى بغداد مثل هذا اليوم! في اليوم التالي طرت ليلا الى السويد وحين افقت في الصباح للذهاب الى العمل كان اول شئ افعله هو قراءة الجريدة التلفزيونية وكانت كلها تتحدث عن الضربة الجوية لبغداد.
في العمل كنت اجلس في المكتب اترقب الاخبار دقيقة بدقيقة ! وقع نظري على احدى فردتي الحذاء الذي ارتديه وبعد لحظة لااعرف لماذا نظرت الى الفردة الثانية! تسمرت في مكاني واعدت النظر الى الفردة الاولى فعرفت بان لافردة تشبه الاخرى!

هناك تعليق واحد:

البرجوازي العراقي يقول...

سيكون من المهم معرفة انطباعك الصادق عن ما ترى ان رجعت لتراها الآن.

صدقني لو اني استطيع لجعلت جميع العراقيين يقضون نزهة او اجازة لمدة اسبوعين فقط في اي دولة اوربية او حتى في اليابان او كوريا لكي تكون لديهم وجهات نظر عالمية ويقارنون العمران والتطور الموجود في العالم بما لديهم من خراب فالعراقي الليوم اعتاد على مدينة خربة ولا يعرف شكل العالم خارج العراق وعليه سيعود لينتخب نفس الحكومة متصوراً انها تبني بلده. صدق او لا تصدق.

البرجوازي العراقي
http://birjwazi.blogspot.com